إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

62

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

ذَلِكَ دَاخِلٌ تَحْتَ مُقْتَضَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا } ( 1 ) ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ تَعْلِيمًا غَيْرَ عَقْلِيٍّ ، ثُمَّ تَوَارَثَتْهُ ذُرِّيَّتُهُ كَذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ ، لَكِنْ فَرَّعَتِ الْعُقُولُ مِنْ أُصُولِهَا تَفْرِيعًا تَتَوَهَّمُ اسْتِقْلَالَهَا بِهِ . وَدَخَلَ ( 2 ) فِي الْأُصُولِ الدَّوَاخِلُ حَسْبَمَا أَظْهَرَتْ ذَلِكَ أزمنة الفترات ؛ إذ لم تجر مصالح أهل ( 3 ) الْفَتَرَاتِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ ، لِوُجُودِ الْفِتَنِ وَالْهَرْجِ ( 4 ) ، وَظُهُورِ أوجه الفساد ( 5 ) . فلولا أن الله تعالى منّ ( 6 ) على الخلق ببعثة الأنبياء عليهم السلام لَمْ تَسْتَقِمْ ( 7 ) لَهُمْ حَيَاةٌ ، وَلَا جَرَتْ أَحْوَالُهُمْ عَلَى كَمَالِ مَصَالِحِهِمْ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالنَّظَرِ ( 8 ) فِي أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ . وَأَمَّا الْمَصَالِحُ الأُخروية ، فَأَبْعَدُ عن مجاري ( 9 ) العقول ( 10 ) مِنْ جِهَةِ وَضْعِ أَسْبَابِهَا ، وَهِيَ الْعِبَادَاتُ مَثَلًا ، فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَشْعُرُ بِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَضْلًا عَنِ الْعِلْمِ بِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ ، وَمِنْ جِهَةِ تَصَوُّرِ الدَّارِ الْأُخْرَى وَكَوْنِهَا آتِيَةً ، فَلَا بُدَّ وَأَنَّهَا ( 11 ) دَارُ جَزَاءٍ عَلَى الْأَعْمَالِ ، فَإِنَّ الَّذِي يُدْرِكُ الْعَقْلُ مِنْ ذَلِكَ مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ أن يشعر به ( 12 ) .

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 31 ) ، وقد روى نحو هذا القول عن قتادة . انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ( 1 / 282 ) . ( 2 ) في ( م ) و ( ر ) و ( ت ) : " دخل " ، بدون الواو . ( 3 ) ساقطة من جميع النسخ عدا ( غ ) . ( 4 ) الهرج هو القتل كما فسّره النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج ، قالوا : وما الهرج يا رسول الله ؟ قال : القتل ، القتل " ، رواه مسلم ( 18 / 31 مع شرح النووي ) . ومن معاني الهرج الفتنة والاختلاط . الصحاح ( 1 / 350 ) . ( 5 ) أشار المؤلف إلى هذا المعنى في كتاب الموافقات ( 2 / 48 ) . ( 6 ) في ( ط ) : " فلولا أن منَّ الله " . ( 7 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) : " يستقيم " ، وكلا اللفظين صحيح في اللغة . ( 8 ) ساقطة من ( ت ) . ( 9 ) في ( م ) : " مجار " ، وفي ( ط ) : " مصالح " . ( 10 ) في ( ط ) : " المعقول " . ( 11 ) ساقطة من ( م ) و ( ت ) . ( 12 ) في ( خ ) و ( ط ) : " بها " .